السيد عباس علي الموسوي

68

شرح نهج البلاغة

( وأما بعد ، فلا تطولن احتجابك عن رعيتك ، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق ، وقلة علم بالأمور ، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ، ويعظم الصغير ، ويقبح الحسن ، ويحسن القبيح ، ويشاب الحق بالباطل . وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور ، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب ، وإنما أنت أحد رجلين : إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ، ففيما احتجابك من واجب حق تعطيه ، أو فعل كريم تسديه أو مبتلى بالمنع ، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤنة فيه عليك ، من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف في معاملة ) وهذه وصية أخرى من وصاياه الغالية يتعطر بها الوجود ويسبّح بذكرها الموجود إنها تلقي الأضواء الساطعة التي تكشف مخاطر الاحتجاب عن الرعية وتدلل أن الوالي يجب أن يكون على اتصال دائم بهذه الجماهير التي تولي أمرها وأنيط به شأنها لئلا تقطع دونه الأسباب ويساء فهم الوالي للأمور فإن الاحتجاب يورث الوالي الانقطاع عن أخبار رعيته فيعظم عنده الأمر الصغير وقد يهون الكبير كما أنه قد تقلب الأمور فيغدو الأمر الحسن قبيحا والقبيح حسنا وبذلك يختلط الحق بالباطل لأنه إذا احتجب اضطر أن يعوّل على أخبار الذين يتصلون به وينقلون إليه صور العالم الخارجي وهؤلاء قد يحسّنون له السيء ، وقد يعكسون الأمر وليس له اطلاع على الحقيقة إلا من جهتهم وهو بما يحمل من الهوية البشرية لا يعرف ما توارى عنه واختفى وليس على الحق رايات تصرخ باسمه حتى يسمعها الوالي فيجيب إن امتزج الصدق بالكذب واختلط الحق بالباطل . . . ثم إنه عليه السلام أراد أن يثير في نفس الوالي قضية حقيقية لعلها تيقظه وتحرك فيه شعور الخير وعوامل البناء والنمو فوجه إليه كلامه بأنك لا يخلو أمرك من أحد رجلين وكلاهما لا داعي إلى احتجابه فإما أن تكون رجل يدفع الحق ويبذله لأهله ولا داعي لاحتجابك إذا كنت تحمل صفات هذا الرجل وإما أنك رجل مبتلى بالمنع لهذا الحق فإن الناس لا بد وأن تعرف ذلك عنك فتمتنع عن المطالبة وعلى هذا أيضا لا داعي لاحتجابك . . . ثم نبهه إلى قضية مهمة وخفيفة على النفس حيث قال له إن أكثر حاجات الناس إليك ليس فيها مئونة عليك لأنها إما شكوى لبعض المظالم التي لحقتهم أو طلب إنصاف في معاملة قد جار فيها بعضهم وتعدّى فيها آخرون . . . وفي كلا الأمرين ليس فيه أي حزازة أو مرارة ولا كلفة ولا ثقل فيهون الأمر ويسهل فلا داعي لاحتجابك أصلا . . .